أبو البركات بن الأنباري
59
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
وقال الأعشى : [ 31 ] أصاب الملوك فأفناهم * وأخرج من بيته ذا جدن ويروى « ذا يزن » . وكذلك أجمعنا على جواز تقديم خبر « كان » على اسمها ، نحو « كان قائما زيد » وإن كان قد قدّم فيه ضمير الاسم على ظاهره ، إلا أنه لما كان في تقدير التأخير لم يمنع ذلك من تقديم الضمير ، ولهذا لو فقد هذا التقدير من التقديم والتأخير لما جاز تقديم الضمير ، ألا ترى أنه لا يجوز « ضرب غلامه زيدا » إذا جعلت غلامه فاعلا وزيدا مفعولا ؛ لأن التقدير إنما يخالف اللفظ إذا عدل بالشيء عن الموضع الذي يستحقه ؛ فأما إذا وقع في الموضع الذي يستحقه فمحال أن يقال إن النيّة به غير ذلك . وهاهنا قد وقع الفاعل في رتبته والمفعول في رتبته ، فلم يمكن أن تجعل الضمير في تقدير التأخير ، بخلاف ما إذا قلت : « ضرب غلامه زيد » فجعلت غلامه مفعولا وزيدا فاعلا ، فأما قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ [ البقرة : 124 ] فإنه وإن كان بتقدير التأخير يصير إلى قولك وإذ ابتلى ربّه إبراهيم ، فيكون إضمارا قبل الذكر كقولك : « ضرب غلامه زيدا » إلا أن بينهما فرقا ، وذلك لأن قولك « ضرب غلامه زيدا » تقدّم فيه ضمير الاسم على ظاهره لفظا وتقديرا ، وقوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [ البقرة : 124 ] تقدم فيه ضمير الاسم على ظاهره تقديرا لا لفظا ، والضمير متى تقدم تقديرا لا لفظا أو تقدم لفظا لا تقديرا فإنه يجوز ، بخلاف ما إذا تقدم عليه لفظا وتقديرا ، واللّه أعلم .